ابن كثير

35

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ [ القيامة : 26 - 30 ] ولهذا قال هاهنا : وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي بملائكتنا وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ أي ولكن لا ترونهم ، كما قال تعالى في الآية الأخرى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ [ الأنعام : 61 - 62 ] وقوله تعالى : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها في الجسد إن كنتم غير مدينين . قال ابن عباس : يعني محاسبين ، وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبي حزرة مثله . وقال سعيد بن جبير والحسن البصري فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس ، وعن مجاهد غَيْرَ مَدِينِينَ غير موقنين . وقال ميمون بن مهران : غير معذبين مقهورين . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 88 إلى 96 ] فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 88 ) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ( 89 ) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 90 ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 91 ) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( 92 ) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( 93 ) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( 94 ) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( 95 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 96 ) هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم ، إما أن يكون من المقربين أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين ، وإما أن يكون من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى الجاهلين بأمر اللّه ، ولهذا قال تعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ أي المحتضر مِنَ الْمُقَرَّبِينَ وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات ، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ أي فلهم روح وريحان وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت كما تقدم في حديث البراء أن ملائكة الرحمة تقول : أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه ، أخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان « 1 » . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فَرَوْحٌ يقول راحة وريحان يقول مستراحة ، وكذا قال مجاهد : إن الروح الاستراحة ، وقال أبو حزرة : الراحة من الدنيا ، وقال سعيد بن جبير والسدي : الروح الفرح ، وعن مجاهد فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ جنة ورخاء وقال قتادة : فروح فرحمة ، وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ، وَرَيْحانٌ رزق ، وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة ، فإن من مات مقربا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة ، والفرح والسرور والرزق الحسن ، وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وقال أبو العالية : لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الجنائز باب 9 ، وابن ماجة في الزهد باب 31 ، وأحمد في المسند 2 / 364 ، 6 / 140 .